أرشفة حِراكاتنا محادثة مع حنين معيكي: أرشيف القوس للحراك الكويري الفلسطيني ترجمة: جوال حاتم

Archiving our movements is a podcast series by the Liberatory Archives and Memory programme at Whose Knowledge?, where we centre community voices on how archival practices become tools of defiance in the face of state violence and genocide.  


Episode One of Archiving Our Movements with Haneen Maikey from alQaws reflects on queer Palestinian memory-making as a practice of survival and safe-keeping. The conversation explores how archiving counters erasure, resists pinkwashing, and sustains collective belonging under ongoing genocide.

إزرينا: أنا إزرينا من ماليزيا

سالي: وأنا سالي من مصر

هذا بودكاست أرشفة حِراكاتنا، وهو من إعداد فريق برنامج «الأرشيف والذاكرة التحرّرية» التابع لمنظمة “معرفة من؟” «Whose Knowledge؟». نسلّط في هذا البودكاست الضوء على أصوات مجتمعية تعمل على تحويل ممارسات الأرشفة إلى أدوات لمقاومة المحو والعنف والإبادة الجماعية المستمرة.  

في هذه الحلقة، سنتحدث إلى حنين معيكي، وهي المؤسسة المشاركة لمنظمة القوس للتعددية الجنسية والجندرية في المجتمع الفلسطيني، وهي منظمة مجتمع مدني تقوم على النشاطية القاعدية. كما أنّها عضو في فريق الأرشفة في منظمة القوس.

حنين: شكرًا على الدعوة وعلى إتاحة هذه المساحة. إنّها لحظة مذهلة أن نلتقي الآن حول الأرشيف. أتساءل ماذا يعني هذا [بالنسبة إلى] التعاون العالمي، وبناء التحالفات. لعلّ هذا اللقاء فرصة لتحقيق ذلك، فشكرًا على إتاحة هذه الفرصة.

اسمي حنين معيكي. على مدى السنوات العشرين الماضية من حياتي، شاركت في تأسيس الحركة الفلسطينية الكويرية وعملت على بنائها من خلال المؤسسة الوطنية الكويرية والمعنية بمجتمع الميم-عين، المعروفة بالقوس. أُسِّست القوس في عام ٢٠٠١ في أثناء الإنتفاضة الثانية. ومن دون الغوص في تفاصيل هذا الحدث، بالنسبة إلي، وكشخص تبلغ ٤٧ عامًا وعاشت في فلسطين طيلة حياتها، فإن الانتفاضة الثانية هي بمثابة الحدث السياسي الأهم الذي شكّل جيلي والحركة الفلسطينية الكويرية وشخصيتي. أقول شخصيتي لأننا كأفراد كنا نخوض أيضًا هذا التحليل وهذه التجربة السياسية. فهكذا ارتبطت حياتي الكويرية وذاتي الكويرية ارتباطًا وثيقًا باستكشاف تاريخي الفلسطيني كشخص خاضعة للاستعمار. بالنسبة إلي، كوني شخص كوير يعني أيضًا استكشاف من أنا كفلسطينية.

 بالنسبة إلي، كوني شخص كوير يعني أيضًا استكشاف من أنا كفلسطينية.

في خلال السنوات الخمس الماضية، ومن بعد تنحيَ عن منصبي كمديرة القوس لأكثر من ٢٠ عامًا، رحت أنخرط في أعمال الأرشفة، وهو أمر مضحك صراحة! إذ ليست لدي خلفية في التوثيق والأرشفة والذاكرة، ولكن أشعر أن هذا جزء مني كشخص لطالما كانت على صراع مع المحو على مختلف الأصعدة. أعتقد أن مساحة الأرشيف تمنح الناس من عمري وخبرتي وسيلة جديدة للاشتباك مجددًا مع المجتمع مع الالتزام بالتغيير في الوقت عينه. وكأننا لا نجلب شخصياتنا السابقة إلى الحركة، ولكننا نمنح أنفسنا فرصة إعادة استكشاف من نحن في المجتمع. أعتقد أني وجدت عمل الأرشفة مُثمرًا من هذه الناحية. أقمت في فلسطين طيلة حياتي وهذه مقدّمة عني.

سالي: حنين، بدأت القوس نشاطاتها في عام ٢٠٠٧، أليس كذلك؟ ما الذي دفعك إلى تأسيس القوس كمشروع؟ كيف كانت الخطوة الأولى؟

حنين: سأخبركما القصة. بدأت القوس في عام ٢٠٠١، وليس ٢٠٠٧. ولكنك لست مخطئة بالنسبة إلى العام، إذ إننا في عام ٢٠٠٧ قررنا أن نكون حركة مستقلة وأن نرفض علاقتنا مع الاستعمار والعديد من المجموعات الإسرائيلية. للأسف، ولكن ليس للأسف فعلًا، وسأشرح ذلك الآن، بدأت القوس كمشروع صغير ضمن مؤسسة صهيونية إسرائيلية. وإذا قمت ببحث عن كيفية بناء المجتمع المدني في فلسطين، للأسف، ستجدين أن جميع الحركات بدأت كحركات مشتركة. ولكن المشاركة كانت بالاسم، لا بل المقاربة كانت بمثابة القول “نحن نتيح مساحة لبعض الفلسطينين والفلسطينيات”.

وسأروي القصة لأنها مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بهذا. كان العديد من الفلسطينيات والفلسطينيين يأتون إلى مساحة المجموعة الإسرائيلية لأنها كانت [منظمة] محلية في القدس غير منخرطة في السياسة. لذلك كانت ودودة نوعًا ما. وفي أثناء الانتفاضة الثانية في عام ١٩٩٩ و٢٠٠٠ و٢٠٠١، لم يعد الفلسطينيون والفلسطينيات يأتون إلى المركز، ما أثار مخاوف المجموعات الإسرائيلية التي راحت تتساءل لماذا لم يعد الفلسطينيون والفلسطينيات يأتون إلى المركز. فأتون بي! كنت منظِّمة مجتمعية شابة وغبية تستشكف هويتها الكويرية. وفهمنا منذ البداية أن الوضع غريب. من همن، تبًا؟ وهكذا بدأت القصة. كنت أعمل خمس ساعات في الأسبوع حينها. وكلّما تعرّفنا إلى أشخاص واستكشفنا هوياتنا، [كلّما] ازدادت أهمية الجانب السياسي.

وبعدها بعامين، أي في عام ٢٠٠٣، باشرنا عملية تشكيل قيادة على المستوى الوطني، ليس فقط في القدس، وذلك انطلاقًا من الأسئلة الآتية: من نحن ومن نريد أن نكون؟ هل هذا المكان لنا؟ هل هذا الواقع الذي نريد أن نستثمر فيه أم قد يكون هناك واقع آخر لنا؟ وفي عام ٢٠٠٧، انتهى مسارنا الوطني الذي استمر أربعة أعوام، والذي يسّرته مجموعة رائعة من الأصدقاء والرفيقات. وقرّرنا أن نكون مؤسسة فلسطينية كويرية مستقلة مناهضة للاستعمار.

لم يكن تسجيلنا كمنظمة غير حكومية [خيارًا] إيديولوجيًا. بل كان “خطوة علينا القيام بها لأننا نريد أن يكون الانفصال رسميًا”. أسميه انفصالًا لأنه السبب الذي دفع بالعديد من الأشخاص بانتقاد سياسات القوس وتاريخها وتمويلها وكل ذلك، لأننا كنا على علاقة بمنظمة إسرائيلية. خضنا عملية نزع الاستعمار عن تفكيرنا لفهم أن هؤلاء الأشخاص ليسوا شركاءنا ومستقبلنا ورؤيتنا. ومثل كل حركة فلسطينية وحركة نسوية وحركة مدافعة عن حقوق الإنسان، تباعدنا تدريجيًا وأصبح هذا التباعد سياسيًا. كانوا [المنظمة الإسرائيلية] يعلمون منذ عام ٢٠٠٣ أن هذا هو التوجّه. استأجرنا مساحة لسنتين، ثمّ انتقلنا إلى مساحة خاصة بنا. لذلك يهمّني أن أروي هذه القصة لأنها ليست تاريخ نزع الاستعمار عن القوس فحسب، لا بل إنها تشكّل مثالًا عن تاريخ المجتمع المدني في فلسطين [ومدى] سيطرة الحركة الصهيونية على الموارد. ما زلنا نرى أنها، وعلى غرار حركة الـ ٤٨ النسوية، متواطئة مع الحركة الإسرائيلية أو الصهيونية.

مساحة الأرشيف تمنح الناس من عمري وخبرتي وسيلة جديدة للاشتباك مجددًا مع المجتمع مع الالتزام بالتغيير في الوقت عينه. وكأننا لا نجلب شخصياتنا السابقة إلى الحركة، ولكننا نمنح أنفسنا فرصة إعادة استكشاف من نحن في المجتمع. أعتقد أني وجدت عمل الأرشفة مُثمرًا من هذه الناحية. أقمت في فلسطين طيلة حياتي وهذه مقدّمة عني.

 

وهكذا أصبحنا القوس في عام ٢٠٠٧ وأصبح لدينا رقم تسجيل ومجلس إدارة وموارد مالية خاصة بنا. وبالرغم من أننا كنا نتحكّم بكافة هذه الجوانب منذ البداية، هكذا أصبحنا القوس. في البداية، كنا نناقش فقط مواضيع بديهية مثل اللغة والعائلة وكيف نصف أنفسنا وما إلى هنالك. كانت بدايتنا ساذجة وبسيطة إلى حد ما. ولكن هكذا بدأنا بالعمل. أتذكر الانفصال عن المجموعة المحلية المقدسية لنصبح منظمة لها طموحات وطنية. في عام ٢٠٠٣، اقترح أحد الأشخاص أن نقيم حفلة، ما أزعجني كثيرًا. آخ، الرجال المثليون والحفلات! وخاصة الآن تسري النكتة: حنين أقامت حفلة على مدى ٢٠ عامًا ولم تدس حلبة الرقص ولو مرّة واحدة. دعَونا شخصين إلى الحفلة الأولى. دعوت شخصين وأتى أكثر من ١٢٠ شخص إلى الملهى. كانت هذه نقطة التحوّل: واااو! لدينا أشخاص من حيفا ويافا ورام الله، ولسنا وحدنا في القدس وربّما هناك فرص أكثر. هكذا أصبحت القوس محرّكًا محليًا ووطنيًا بطريقة ما، ما تسبّب في الكثير من الضغوطات والمشقة بالنسبة إلى فريق القوس. ولكن هذه كانت روعة الخطوة منذ البداية! كان باستطاعة أشخاص من رام الله لقاء أشخاص من يافا! ما زال الناس حتى اليوم يقولون: يا للروعة! أنت من حيفا؟ هذه أوّل مرّة أتعرّف إلى شخص من حيفا! آه، أنت من الخليل؟ لم أسمع يومًا بالخليل! فكنا أمام التحام “تشرذم [جغرافي]” يوميًا في القوس. أعلم أني أذهب باتجاهات عديدة عندما تطرحين الأسئلة، سالي. فإذا كنت بحاجة إلى إجابات دقيقة، لا تترددي في إعلامي بذلك.

سالي: أبدًا، إجاباتك ممتعة للغاية!

إزرينا: لدي سؤال بسيط. ماذا تعني كلمة القوس؟

حنين: القوس تعني قوس القزح، للأسف. أقول ذلك وأنا شخص لم تنفك عن انتقاد أقواس القزح! أعتقد أن قصة اسم القوس تعود إلى العام ٢٠٠٣ – لا أعلم كيف سنوثّق ذلك لأننا خسرنا جميع البيانات عن هذه الفترة – عندما كان لدينا منتدى دردشة على الإنترنت في عام ٢٠٠٢ (تصحيح: ٢٠٠٥) أسميناه القوس لأنه كان من السهل كتابته بالإنجليزية. ولكن منتدى الدردشة هذا كان بمثابة مشروع له ميسّرين وميسّرات لغرف الدردشة من السعودية والعراق وفلسطين وفجأة بات لدينا وجود على الإنترنت. لا أدري كيف سنوثّق ذلك! ولكن الاسم أصبح معروفًا عالميًا في البلدان العربية لأنه كان الوحيد. قال أحد الأشخاص الذين يكرهوني يومًا: آه، أشخاص [قوس القزح]! فأجبت: من المثير للاهتمام أنك تدعونا كذلك! لم نرد أن نقول القوس، لذلك أعتقد أن الخيار وقع على القوس لأن الاسم كان سهلًا ويعلق بسرعة، بالرغم من أن قوس القزح يقتل روحنا. ولكن أعتقد أن بقية [القصة] أهم بالنسبة إلينا. فهل نقول القوس لمجتمع الميم-عين الفلسطيني؟ أم نقول القوس للتعددية الجنسية والجندرية؟ ولماذا المجتمع الفلسطيني؟ لماذا لا نقول الفلسطيني؟ لماذا لا نقول في فلسطين؟ الإجابة عن كل هذه [الأسئلة] استغرقت أشهرًا من النقاشات. ولكن هذه هو القصة في الحقيقة. كلمة القوس كانت [الخيار] الأسهل. ما زلنا نشعر بالخزي من [الاسم] لأنه مفهوم غربي إلى حد ما ولكن طريقة كتابته ظريفة [بالإنجليزية]. أحرّر صفحات [وأغيّر] حرف الألف من ألف كبيرة إلى ألف صغيرة [في الإنجليزية – alQaws]، مكرّرة أن الاسم علامة تجارية، يا ناس يا حلوين، الاسم علامة تجارية. ألف صغيرة، وقاف كبيرة [في الإنجليزية]. 

إزرينا: يا لها من قصة رائعة! أحبّها! أتساءل ما إذا كان بإمكانك استخدام آلة أرشيف الإنترنت (Wayback Machine) لمحاولة إيجاد الدردشات.

حنين: نعم، يجب علي النظر في ذلك. لا أدري أين هي. فقدنا موردين: منتدى الدردشات وموقع “pinkwatching israel”، وهذا يشعرني بالغضب الشديد. ولكن هذه هي حال الأمور. أحدهم لم يدفع أو تدفع رسوم استضافة الموقع. هذه كل القصة!

فإذا أردنا بناء أرشيف أساسي وملموس، فنحن بحاجة إلى ذاكرة جماعية، لأن الأشياء التي نسيناها هي جزء من القصة أيضًا. وجدنا أنفسنا ننسى الأشياء نفسها، والأشخاص نفسهمن.

سالي: بالنسبة إلي، كشخص نشأت في مصر، أتذكّر أني لحظة رأيت القوس، قلت في قرارة نفسي: واو! أعرف ما يعنيه ذلك! أتذكر الحفلة والخط الساخن على وجه التحديد. أعتقد أن العلامة كانت مرسومة بشكل جيّد وأحبّ صورة حنين وهي تنظّم حفلة على مدى ٢٠ عامًا. أحب ذلك كثيرًا، حنين!

حنين: كنت من أكثر الأشخاص حزمًا في مشهد الحفلات في فلسطين. أعتقد أني أستطيع أن أحكي لساعات عن صلة الوصل هذه لأنك تتعرّفين إلى ٣٠٠ فلسطيني/ة كويري/ة كل شهر، علمًا أنهمن لسن “نشيطات ونشطاء تابعين لمجموعتك”، بل يأتون/يأتين من جميع القرى والمناطق والطبقات الاجتماعية والاقتصادية [والخلفيات] التعليمية، وحتى من علاقات مختلفة مع المجتمع، متزوجون/ات أو لا. وكأننا نقوم بالتنظيم الكويري في البرية، إذا كان ذلك منطقيًا. كنا نعود إلى بيوتنا مرهقين/ات. كنت أبقى صاحية يومي السبت والأحد. كنا ننظم حفلة كل نهاية أسبوع وكانت حفلاتنا تستمر من الساعة الخامسة بعد الظهر حتى الساعة الحادية عشرة مساءً. كنا نرفض تنظيم الحفلة وفقًا لأي معايير كويرية/مثلية. كان الناس يقولون إن السهرة ما زالت في بداياتها [وكنا نقول لهمن] إذهبوا/ن إلى حفلة أخرى. ٤٠٠ شخص على مدى ٢٠ عامًا من الساعة الخامسة بعد الظهر حتى الساعة الحادية عشرة مساءً. خالفنا جميع القواعد المرتبطة بتنظيم حفلة كويرية. كان الناس في المقاهي يسجّلون/ن الموسيقى ويقولون/ن: يا إلهي! [هذه] موسيقى حفلة القوس، إليسّا وغيرها. مثل هشّك بشّك. تبنّيناها كموسيقى حفلة القوس وكان الديجايز الذين واللواتي نقابلهمن يعدّون [عروض ديجاي] القوس ويلعبونها في لندن ومدن أخرى لأنها أصبحت نوعًا من الموسيقى بالنسبة إليهمن. كانوا وكن يقلن: أحيانًا ندخل إلى ناد ليلي ونعلم أننا بحاجة إلى لعب هذه الموسيقى!

سالي: بدأتمن موضة. هذه الآن الموسيقى الكويرية العربية.

 حنين: نعم، الموسيقى الكويرية العربية، التي لم أعد أطيقها! لا أستطيع [الاستماع إليها]!

إزرينا: أرجوك شاركي قائمة الأغاني. أرجوك شاركي قائمة الأغاني وأرشفيها.

سالي: أنا أحبّها بلا خزي، حنين، وأتبنّاها. أودّ أن أعود إلى ما قلته سابقًا وأودّ أن أسألك أن تلفتي الانتباه إلى الغسيل الوردي. شخصيًا، تعلّمت كثيرًا عن الغسيل الوردي من خلال عملكمن وأودّ أن أسمع المزيد عن ذلك منك، ولا سيّما في هذه اللحظة [التاريخية].

حنين: أضحك لأننا سنستكشف [هذا الموضوع] الآن مع مجموعة من الرفقاء والرفيقات اللواتي شاركوا في بناء حراكنا لمناهضة الغسيل الوردي بين عامي ٢٠٠٨ و٢٠١٢، على ما أعتقد. سنعقد ورشة عن الذاكرة في أمستردام في فصل الخريف الآتي لاستكشاف هذا الحِراك. [أخبركما] هذا لأن حتى من طوّر مصطلح الغسيل الوردي موضع نقاش. وهو نقاش بين الأشخاص الكويريين/ات البيض والأشخاص الكويريين/ات الإسرائيليين/ات، وهو أمر مضحك، بينما كنا ننشط في هذا المجال. لا أعلم من اخترع مصطلح الغسيل الوردي، ولكن أعتقد أن استخدامه بدأ في شبابي، حين كنت أبلغ ٢١ عامًا أو ٢٢ عامًا وعلى وشك الانضمام إلى الحركة الكويرية. يملك الوزراء الإسرائيليون مناشير قديمة. أسمّيها جيل الغسيل الوردي الأوّل، ونجد فيها قائمة [بلدان] تشمل العراق والسعودية وإيران “تقتل المثليين” وإسرائيل [في قائمة أخرى]. كان هذا شكلًا بسيطًا من أشكال البروباغندا. ولكن حتى قبل الفترة هذه، نجد مجموعات إعلامية صهيونية. كانت هذه بدايته. ثم راحت المجموعات الإسرائيلية تستغل هذا الواقع وتروّج له.

لذا نعتقد أن القصة الكويرية ستُقدّم منظورًا آخر لمشروع التحرّر وكيفية التعامل معه. فالأمر لا يقتصر على الجانب الكويري فقط. لقد أدهشني وضوح هذا الأمر لدى كل من ينضم إلى المشروع. أعتقد أن هذا هو إرث القوس. لقد ثبّتنا أن التنظيم الكويري جزء من النضال التحرّري.

[لم أكن] لأعترض على الغسيل الوردي لو كان مجرّد أداة بروباغندا لأن العديد من الناس يدّعون أن المقولة الإسرائيلية “نحب المثليين” تقع في صلب الغسيل الوردي. فلماذا [قد] أعارض هذا؟ ولكن نعلم الآن أن الغسيل الوردي أمر مختلف. فالغسيل الوردي أداة للتلاعب تهدف إلى صرف الاهتمام، ولا تقول إن إسرائيل صديقة للأشخاص الكويريين/ات. لا، إنها تقول هذا ولكنها تقول أيضًا إنهم “يقتلون المثليين لديهم”. هاتان المقولتان متلازمتان دائمًا. لا يرتبط الموضوع بكون إسرائيل دولة ديمقراطية. قد تكون كذلك – ولكن هذا لا يعني أنها لا تقوم بإبادة جماعية – ولكن هذا يعني [أيضًا] أن [الفلسطينيين/ات] يؤمنون أصلًا بالدكتاتورية. نريد الاستبداد. نحن “أناس بربريون وعنيفون ورهاب المثلية متأصلة في داخلنا”. أصبحت تصريحات كهذه، على مدى سنوات، الإطار الأساسي للتضامن العالمي الكويري. للأسف، أرى أن حركة المقاطعة بشكل خاص تبنّت هذا الخطاب، حيث بات العديد من النشطاء الكويريين/ات المشهورين/ات يستعينون بالغسيل الوردي والتضامن الكويري العالمي من أجل التعبير عن تضامنهمن مع فلسطين، ما أدّى إلى توتّرات. سالي، سأتحدّث عن الصفحة الغزاوية لأنها تتناول عدة جوانب من الموضوع. قضيت السنوات العشر الماضية أقول إن الغسيل الوردي ليس بروباغندا، بل هو عنف استعماري. بدأ هذا التحوّل عندما تركنا التضامن الكويري العالمي جانبًا ونظرنا إلى الداخل وبدأنا نرى مثال شاب مثلي كويري يبلغ ١٩ عامًا من العمر ويتصل بنا من نابلس ويشرح الاستبداد وغياب الفرص وكيفية التواصل مع المنظمات الصهيونية وما يواجهه. هذه أداة بروباغندا عنيفة بهدف الإيقاع بالفلسطينيين/ات الكويريين/ات. غيّرنا الخطاب عندما قلنا إنه عنف استعماري. وهو يشرذم الفلسطينيين/ان الكويرين/ات ويفصلهمن عن أصدقائهمن الكويريين/ات و[ذاتهمن] ومجتمعهمن. إنهم يقنعون المجتمع الفلسطيني بأننا عملاء للغرب أو على الأقل ضحايا أنقذهمن مستعمرونا. لذلك صرنا نرى الأذى المتصاعد الذي يسببه هذا في الداخل. 

لا يتعلق الأمر بإقناع الناشط الأبيض، العابر، والكويري المقيم في برايتون حاليًا بأن إسرائيل تستغل حقوق المثليين/ات لإقناعه بأن الفلسطينيين سيئون. [الأمر يتعلق] بالتأثير المباشر في الأشخاص الكويريين/ات في فلسطين، وكيف ناقشنا [هذا الأمر]، على سبيل المثال، في خطتنا الاستراتيجية الأخيرة. إذا أردنا مكافحة الغسيل الوردي، فعلينا الاستثمار في التواصل، أليس كذلك؟ لسنا بحاجة إلى الاستثمار في المناصرة ضد الغسيل الوردي. بل نحتاج إلى إيجاد طرق للتواصل مع الشباب الكويري في جميع أنحاء فلسطين. يجب أن نكون العنوان الأول. نحتاج إلى أن يعرفنا الناس قبل أن يتعرفوا إلى المنظمة الإسرائيلية [مع أننا] لا نملك الموارد والقدرات والأموال اللازمة لذلك. ولكن هكذا بدأنا بمكافحته. شعرتُ بإحباط شديد الأسبوع الماضي بسبب ظهور صفحة على إنستغرام مخصصة للأشخاص الكويريين/ات من غزة، ومحتواها مثير للريبة، لكن 7000 شخص – نصفهم أصدقائي وصديقاتي – يتابعونها. يقرؤون/ن قصصي وتحليلاتي، ثم يعودون لمتابعة تلك الصفحة! لا أفهم هذا! قال أحدهم: حنين، كان موقعهم إسرائيل ثم غيّروه. فأجبت: لا، أنت على خطأ! حتى لو كنتُ أعيش في حيفا، فسيكون موقعي الأردن أو غزة. نحن قريبون جدًا، وهذا ليس دليلًا على أي شيء. ولكن كلامي لم يكن مقنعًا. لذا لا أفهم ما الصعوبة في شرح الغسيل الوردي، وأعتقد أننا أخفقنا هنا، لأن هذه الحادثة [حساب إنستغرام] تُظهر بوضوح أن الأمر ليس بهذه البساطة. فما زال يُنظر إلى احتمال كون شخص كويري/ة ومجاهر/ة برأيه/ها من غزة على أنه/ها أهمّ من قراءة المحتوى، الذي هو عبارة عن صور ونصوص مُولّدة بالذكاء الاصطناعي! هؤلاء أصدقاء أذكياء. هؤلاء هم أصدقائي وصديقاتي. هذا هو الغسيل الوردي. أعتقد أني أشير إلى كيفية استخدام الغسيل الوردي طوال الوقت، والآن أصبح الأمر بلا أهمية تقريبًا لأن هذه الحادثة تُبيّن لنا أنه إما بروباغندا أو لا شيء. 

سالي: لا أعتقد أنكمن [القوس] أخفقتمن على الإطلاق. أعتقد أن أي شخص يجد نفسه أو نفسها أمام [هذه] القصة التي تنطوي على بناء هذه الثنائية التي تروّج لها إسرائيل، باعتبارها “البلد الوحيد الصديق للأشخاص الكويريين/ات في المنطقة”، ما يعني حكمًا أن جميع بلداننا تكره النساء وتعاني من رهاب المثلية. أعتقد أن أي شخص بهذه العقلية سيفترض [أو] يتجاهل نضال الكويريين/ات العرب في حد ذاته. إنه تفكير ساذج للغاية، لذا لا أعتقد أنكمن فشلتمن. أشعر أنكمن شكّلتمن في الواقع الخطاب وطبّقتموه عمليًا. في رأيي، رسّخت القوس معنى معارضة الغسيل الوردي. لا أعرف كيف بدا الأمر في منطقتك، يا إزرينا.

إزرينا: أحتاج إلى بعض الوقت للتفكير بهذه النقطة.

سالي: أكيد. ولكن، حنين، أعتقد أن أهم سؤال في حوارنا اليوم، بالنسبة إلي، هو: لماذا من المهم بالنسبة إليكِ توثيق حركة بكل ما فيها من حميمية، وتعقيدات، وألم وفقدان؟ لقد تحدثنا عن هذا الموضوع عدّة مرّات، وأستطيع أن أستمع إليكِ طويلًا وأنتِ تستفيضين في الحديث عن الأرشفة والحِراكات.

الأمر أشبه بطرح السؤال: ما هي الحركة الكويرية قبل إسرائيل، أو ما شكل الحركة الكويرية في سياق ما بعد الاستعمار؟

حنين: هناك جوانب كثيرة، لكني لا أعرف لماذا تسأليني أنا، وأنا أفكر في نفسي. الأمر صعب. نعلم جميعًا مدى صعوبة مغادرة المؤسسين/ات للحركة. أعلم أن هذا لا يُحكى عنه كثيرًا، لكن العديد من حركاتنا، والعديد من قادتها، يشعرون وتشعرن بأنهمن عالقون/ات لسنوات طويلة بسبب قلّة الخيارات. القيادة، وكل ما يتعلق بها، الشعور بالانحصار في أدوار داخل القوس بالنسبة إلى الكثيرين/ات داخل المؤسسة، تجربة قاسية. بصفتي المديرة، كان عليّ أن أقرّر مرارًا وتكرارًا كيف سأقود، وحتى أنني اتخذت قرار ترك منصبي، والتزمت بعملية مدتها خمس سنوات لأني أدركت أني بحاجة إلى ذلك. لذا، وبعد تجاوز كل ذلك، أعتقد أني أعطيت نفسي أربع سنوات من الانفصال عن الحركة والتعامل مع تبعات الألم المزمن والاكتئاب والإرهاق التام.

أعتقد أن الأرشيف مساحةٌ – كما بدأتُ بالحديث – لا تجبرني على العودة إلى دوري السابق، بل تدفعني إلى إيجاد مساحةٍ أخرى. على سبيل المثال، أرفض الانضمام إلى مجلس إدارة القوس. لقد اتخذتُ القرارات على مدى عشرين عامًا، وترأستُ المجلس. لستُ بحاجةٍ إلى تلك السلطة، فقد تجاوزتُها تقريبًا. أريد مساحةً للتعلّم والتأمّل والرعاية. هذا هو المكان الذي أرغبُ أن أكون فيه على المستوى الشخصي. لعلّني أضفتُ إلى الحركة ثباتً ووضوحًا وحوارًا صريحًا، من دون تزييف، وأنا أجعل صوتي [أجش] عمدًا. أُقدّم شيئًا مختلفًا، ولكنه في الوقت نفسه يُطمئن الحركة، أليس كذلك؟ لأنه أشبه بقول: هذه التجربة، أريدُ استخدامها الآن لمنحي قوّة أكبر. لدينا كل هذه الخبرة، فكيف يُمكننا مشاركة هذه القوة مع جيلٍ [آخر]؟ عقدنا اجتماعًا مع بعض الناشطات والنشطاء الإقليميين/ات لمناقشة تاريخ المنطقة. ما زلت أرى أن الدافع وراء الأرشيف المحلي وتاريخ المنطقة ينبع من حب كبير للجيل الجديد. غادر شخص الاجتماع قائلًا: “أنا سعيد لأنكم تنشرون الحب، لأني أنشر الانتقام والغضب”. لذا أشعر أن الأمر لا يتعلق بجيلي، بل بي شخصيًا، وأنا ملتزمة بنشر هذا النوع من الحب. ليس حبًا شكليًا.

استمعتُ إلى منسقي/ات الخط الساخن الشباب الرائعين والرائعات وهمن يتحدثون/ن عن تجاربهمن. تحدثوا/ن عن رجل من غزة يتّصل بالخط [الساخن] منذ ثماني سنوات! [لم] أكن أعرف قصته، لكن جميع المنسقين/ات الثلاثة الذين عملوا على الخط طوال تلك السنوات يعرفونه. قالت المنسقة الحالية إن الخط لم يتوقّف عن العمل في خلال الأشهر الستة الماضية، ولم يتصل بنا، ثم اتصل قبل أسبوعين! [كانوا قلقين/ات عليه بسبب الإبادة الجماعية في غزة]. يتحدثون عن كيف أن حتى من يعيش في غزة ويتعرض للإبادة الجماعية يقول: أريد فقط أن أسمع صوتكمن وأطمئنكمن أنني بخير. يمكننا أن نضفي طابعًا رومانسيًا على هذا، لكن الأمر يتعلق بالأمل الذي يعتقد الناس أن الحركة تمنحه؛ أملٌ بمعنى إنقاذ الحركة. إنها مجرد مساحات صغيرة، حيث يمكن لشخص ما أن يجد شخصًا آخر! لقد تحدثوا عن ذلك لمدة ستة أشهر. ذلك الشخص من غزة غيّر حياتهمن. والآن، ومع استمرار الإبادة الجماعية لأكثر من عامين، تغيّر كل شيء، وتغيّرت نظرتهمن إلى هذه التجربة. لذا، فإن الحديث عن كيفية ترابط الداخل والخارج يدور باستمرار في القوس. لا أعرف لماذا وصلت إلى هنا. حتى أني نسيت سؤالك، لكن هذا ما أعيشه اليوم، على ما أعتقد. لذلك أشارككما هذا لأن الأمر لا يزال حاضرًا في ذهني. 

إزرينا: أحب ذلك لأنه أحيانًا عندما نسجل شيئًا ما أو نوثقه، أو نعتقد أننا نعرف شيئًا ما، تتغيّر الأمور، ويتغيّر التسلسل الزمني أو ما كنا نعتقد أننا نعرفه بالكامل. فجأةً، نجد أنفسنا مضطرين/ات لإعادة التأقلم مع المعلومات الجديدة التي ظهرت، أو مع التسلسل الزمني الجديد، الذي يتطوّر باستمرار. أعتقد أن هذا أيضًا من محاسن الأرشفة. تشابك الأشياء التي تتحرك باستمرار، طبيعتها العضوية، وهذا يقودنا إلى السؤال التالي. حدّثينا عن أرشيف الحركة الفلسطينية الكويرية. 

حنين: أعتقد أن الفكرة برزت في عام ٢٠٢٠، حيث خضنا مسارًا استمر عامين وأعلنا فيه أني سأغادر في نهاية عام ٢٠٢٠، وهو قرار نهائي، وأننا جميعًا بحاجة إلى الالتزام بعملية انتقال القيادة، لأننا لسنا نقوم بإقالتي وتعيين شخص جديد، بل نعيد تشكيل المؤسسة وتحديد أسس هذا الحوار، لأني أعترف بأني كنت عنصرًا أساسيًا، ولن يتم استبدالي. نحتاج إلى إيجاد شيء أكثر جوهرية، وأكثر صدقًا، وأكثر تشاركًا، وأكثر تركيزًا على القيم، وكل ما يتعلق بذلك. لقد أنجزنا هذا الأمر بشكل رائع. أجريت مقابلة مع أحدهم حول انتقال القيادة، وكان يسأل: كيف سيتكلّل انتقال القيادة بالنجاح؟ أجبت: حسنًا، لن ينجح أبدًا! لأننا قدنا عملية انتقال قيادة رائعة، لكنها فشلت، لأن هذا هو حال انتقال القيادة. الأمر يتجاوز التخطيط المسبق وكل ما يرتبط به. إنه يتعلق بحقيقة أن شخصًا ما سيغادر، وهو أكثر من ذلك بكثير.

على أي حال، خضنا تجربة رائعة، ومن بين المخرجات التي توصّلنا إليها، إمكانية مشاركة خبرتي مع الجيل الجديد، فهي تمثل ٢٠ عامًا من الخبرة والنظر إلى العالم بطريقة معيّنة. لذا كتبتُ مقترحًا عن الأرشفة، ووجدته القوس على القرص الصلب قبل عامين تقريبًا، وبدأوا/ن بجمع البيانات. أعتقد أن ذلك حصل في خلال نقاشهمن بشأن إعادة تصميم موقعهمن الإلكتروني. فبدأوا/ن بجمع البيانات وتصنيفها وصيانتها. ثم دعوني للمجيء لأن الفكرة كانت بسيطة: سنوظّف حنين، وستكتب قصة ما، وسنطلق موقعًا إلكترونيًا في عام ٢٠٢٥، وسننشر القصة. كان هذا المشروع! عندما وصلت، أدركتُ أن القصة ليست قصة واحدة، وأني لستُ الشخص المناسب لكتابتها. فأين الأخريات والآخرون؟ لقد نسيتُ معظم الأمور التي كان بإمكان الآخرين والأخريات مساعدتي فيها. فجأة، ومن هذا المنطلق، بدأنا نكتشف القيمة المجتمعية للعلاقة هذه. كان عليّ تقديم ورقة مفاهيمية عن مشروع الأرشفة في كانون الثاني/يناير. استطعتُ إنجازه في أيار/مايو، ولكن بعد التحدث إلى العديد من الناشطات والنشطاء. لم أكن أتصور ألّا يساهم جميع رفاقي ورفيقاتي من العام ٢٠٠٠ إلى ٢٠٠٩ في بناء مشروع الأرشفة. لذا، يُعد مشروع الأرشيف الكويري أداة مقاومة ضد المحو والغسيل الوردي. ولكني أحب أن أفكّر فيه كمساحة يجتمع فيها أفراد المجتمع لاستكشاف الامتنان والأحلام والخيال، والتعلّم من الماضي، وإيجاد الشغف ورؤية للمستقبل. أشعر بارتباط وثيق بهذا الجانب. 

 فإذا أردنا بناء أرشيف أساسي وملموس، فنحن بحاجة إلى ذاكرة جماعية، لأن الأشياء التي نسيناها هي جزء من القصة أيضًا. وجدنا أنفسنا ننسى الأشياء نفسها، والأشخاص نفسهمن.

 

في نهاية المطاف، سنقول إننا هنا، وسنصحّح المعلومات، وسنروي قصصنا. ولكن إذا كنا منظمة نسوية وكويرية مناهضة للاستعمار،، فإن الأشخاص الذين واللواتي شكّلن الحركة همن جوهر القصة. جميع جوانب قصصهمن [مهمّة]. كيف انضموا إلى [مؤسسة] القوس وكيف غادرنها؟ وكيف يحبون القوس وكيف يكنّون لها الغضب؟ للقوس معنى عميق. لدينا مشاعر كثيرة تجاه هذه المنظمة. أقول دائمًا: عبّروا وعبّرن عن كل شيء، لكن من دون مبالغة. فهي لا تزال منظمة. إنها نحن. إنها مساحة يمكننا أن نرى فيها أنفسنا من دون إصدار أحكام. ولكن إذا أردتمن فعل ذلك، فأنتمن بحاجة إلى جمع المعلومات، وتأطيرها، وتقديم شيء آخر. يمكنكمن أيضًا إطلاق العنان لكل انتقاداتكمن. ولكن هناك وجهان للموضوع. لذا أصبح هذا مشروعًا أرشيفيًا مجتمعيًا، ما يعني أن أسئلة عديدة ما زالت مطروحة، ونحن بصدد استكشاف استراتيجياتنا. ولكننا اكتشفنا أمرًا ألا وهو أن هذه اللحظة، على الصعيد العالمي والمحلي والإقليمي، تحمل في طيّاتها إمكانيات هائلة للانخراط في سرد تاريخنا والتواصل مع جيل الشباب. هناك قوة هائلة كامنة هنا. على أي حال، هذه قصة أخرى. الأمر حقيقي، أليس كذلك؟ هناك “لحظة” ما، ثم [يأتي] الاستحواذ بسرعة فائقة. إنه أمر جنوني.

سالي: حنين، أودّ أن أسألك: كيف تحرصين على ألّا يصبح الأرشيف الكويري قصة مجموعة واحدة؟ كما قلت، هناك مجتمع دائمًا وهناك قصة لا يمكن أن يسردها شخص واحد أو كيان واحد. فكيف تحرصين على ذلك؟

حنين: أعتقد [من خلال أمرين] أن أعتمد قيمًا، وأن ألتزم بها – وسأشرح الآن ما أعنيه – وأن أعمل أيضًا على توفير المساحات والأساليب اللازمة لتحقيق ذلك. لقد واجهت ذلك. أملك الكثير من السلطة والنفوذ، وشاركت في العديد من المحادثات والنزاعات المُرهِقة. أعتقد أنني تعاملتُ مع الكثير من النزاعات بطرق جيدة، ولكن أيضًا بطرق سلبية، وأعتقد أني أدركت عندما واجهت نفسي أنه يمكنني دعوة أي شخص أشعر بالراحة معه/ها. يمكنني دعوة أصدقائي وصديقاتي وسنقضي وقتًا ممتعًا ونكتب القصص. لكني أدركتُ بعد ذلك أن هؤلاء همن في نهاية المطاف الأشخاص الذين واللواتي أسسوا القوس. النزاع ليس خارجيًا أو بعيدًا. وأعتقد أن تأطير ذلك، والأرشيف، وإمكانية الوصول إليه، وإمكانية سرد وجهة نظرك الخاصة بشأن هذه القصة الكبيرة، هو حقك كناشط أو ناشطة. [هذا] ما غيّر كل شيء. سأعطيكما مثالًا. نحن الآن في صدد دعوة هذا الفلسطيني الكويري من مؤسسي حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS) إلى اجتماع أمستردام. لذا عندما أتحدث مع الناس، أقول: لقد استبعدنا عمدًا اسمين من هذه المجموعة لأسباب كذا وكذا، وسنكتب عن ذلك. حتى الأشخاص الذين واللواتي نستبعدهمن عمدًا بسبب الفساد أو العنف أو الإقصاء، نشعر أننا مدينون/ات لهمن بتفسير أسباب اعتقادنا ذلك. الأمر لا يتعلق بتشويه سمعة الشخص واتهامه/ها بالفساد، بل [يتعلق] بهذا الالتزام. إنه أمر صعب. الآن، نرى الكثير من الناس يقولون: “لا نريد أن نتذكر. ليتني لم أرَ هذا التسلسل الزمني. أو يا إلهي، نسمع هذه القصص الآن. ربما يمكنني التحدث معكمن عن هذا الأمر، لكني لا أريد التحدث عن تلك المسألة”.

بعد مرور ٢٥ عامًا، ما زال الناس يعانون من نفس الألم. ماذا يعني هذا بالنسبة إلى المسار الذي خضناه طوال السنوات العشر الماضية؟ لهذا السبب أشعر أن بناء مساحة آمنة للشفاء، وليس مساحة تُثير المشاعر المؤلمة، سيتكلّل بالنجاح. هذا هو التحدي التالي الذي سنواجهه. أعتقد أن هذا ما كنا نتحدث عنه جميعًا في جلسة كارا بايج [جلسة نظمتها القوس]، عن تلك الرغبة. كيف يمكنني إتاحة هذه الفرصة، ليس فقط لناشط/ة الخط الساخن الذي/التي كان/ت فخورًا/ة جدًا بعمله/ها، بل أيضًا للعديد من الأشخاص الذين واللواتي لديهمن مشاعر مختلفة؟ الآن نقوم بتصوير كل القصص الإيجابية والجيدة، [تلك التي تقول] “لا يوجد نزاع”. ولكني قلقة أكثر بشأن القصص المعقّدة. أعتقد أن النشطاء والناشطات حاولوا/ن سرد قصتهمن، ومنحناهمن الحق في ذلك عوضًا عن [اتخاذنا] القرار، ما غيّر بعض الأفكار. لقد كبرنا جميعًا في السن لدرجة أننا لا نتذكر معظم الأشياء. فإذا أردنا بناء أرشيف أساسي وملموس، فنحن بحاجة إلى ذاكرة جماعية، لأن الأشياء التي نسيناها هي جزء من القصة أيضًا. وجدنا أنفسنا ننسى الأشياء نفسها، والأشخاص نفسهمن.

إزرينا: قلت إنّ هناك قوة كامنة في عملية الأرشفة، وإننا نحتاج إلى بعضنا البعض لبناء هذه الذاكرة الجماعية. ما هي بعض التحديات التي واجهتها؟ بصفتي شخص تُؤرشف الحركة الكويرية في ماليزيا، هناك الكثير من التحديات. كما ذكرت، كبرنا في السن وأحيانًا لا نتذكر بعض الأشياء، مثل الوجوه، أو كيف تبدو الأماكن. لذا عندما يُحضر أحدهم صورةً، مثلًا، هذا هو الملهى الليلي الذي كنا نرتاده في عام ١٩٩٥، قد تقولين: يا إلهي، ألا تتذكرينه؟ أعتقد أن سؤالي هو: ما هي التحديات؟ كيف تتعاملين مع أمور مثل الاستحواذ والاستخراج والممولين؟ أعتقد أن هذين سؤالان مختلفان، لكن [كلاهما يتعلق] بالتحديات.

حنين: سأشارككما أفكاري، ولا شيء واضح تمامًا الآن، فنحن نطوّر هذه المقاربات [تدريجيًا]. كيف أشرح ذلك؟ قررتُ، على سبيل المثال، أن قصتنا الكويرية العالمية ستكون قصة استغلال وأفعال رمزية، وهذا جانب. أما الجانب الثاني، فهناك القصة والمشروع، ولكن هناك أيضًا الأرشفة الموضوعاتية: لماذا نناهض الاستعمار؟ وكيف وصلنا إلى هنا؟ وهذه القصة التي رويتها لكما للتو، أليس كذلك؟ نضعها في سياقها، في سياق تاريخي ونظري، وهكذا نتعامل مع الأمر. غدًا، سيصدر بحث شاركتُ في تأليفه عن التمويل ومنظمات مجتمع الميم-عين القاعدية حول العالم. أعني أن قصص التمويل عالمية. لذا أشعر أن كتابة قصتنا مع الممولين أمرٌ في غاية الأهمية.

قصتنا هي كيف نتحدى النظام الرأسمالي. لم أقدّم في حياتي أي كشف ساعات عمل لأي جهة ممولة، أبدًا. هذا غير مقبول. ولن أطلب من أعضاء فريقي، الذين واللواتي يبذلون/ن قصارى جهدهمن ووقتهمن، [القيام بذلك] كي أقدّمه للحكومة السويدية. لا يهمني. سيقولون: “لن نستطيع منحك المال، وسنجري عمليات تدقيق”، وسأقول: “شكرًا لكم”. سيظلون يمنحوننا المال. هذا دليل قاطع على أنه لا أهمية لأي من هذه الأمور. إنها مسألة سيطرة. إذن، كيف نقاوم السيطرة حقًا؟ كيف نحوّل كتابة المقترحات والتقارير من مهام خارجية إلى مهام داخلية؟ أنا لا أقيّم “الخط” كي أحصل على العشرة آلاف دولار التالية، بل أقيّمه لأنه مهم لي وللمجتمع ولجميع المتطوعين/ات. نريد فهم الإحصائيات، ونريد تحديث “الخط” وتطويره. إذا حصلنا على تمويل بفضل ذلك، فسيتّصل بنا الممولون قائلين: يا له من تقرير رائع! [بالضبط] لأني لم أكتبه لكم. هذا مثال عن القصص التي نريد سردها. لذا، سنضيف بالتأكيد بُعدًا آخر إلى جانب مقاطع الفيديو مع النشطاء والناشطات والجدول الزمني وقصص المشروع. لقد تخطيتُ القصة السائدة العامة عن “الحركة الكويرية” في قصة القوس. إنها قصة سهلة! ولكن ما هي الإضافات التي يمكننا عرضها لإظهار عمق الحركة الكويرية من حيث الخطاب والتحليل السياسي والتأثير؟ لسنا نتحدث عن قصة القوس فقط، بل عن كيفية تقديمنا تحليل جندري لما حدث في المنطقة، للأسف، لأني أعتقد أنه كان ذا طابع جندري لأنه كان يخص جيلًا محددًا، وكيف استغلّ الممولون ديناميكيات الجندر ووظّفوها. هذه هي القصص التي نريد سردها. قصص يمكن للجيل الشاب أن يتعلّم منها ويصبح أكثر وعيًا ويقاوم. ما زلنا نحمل الكثير من الغضب لأننا لم نقاوم التمثيل الرمزي الذي اعتمدته [الحركة] الكويرية العالمية. قاومناه، ولكن كما ذكرتُ بالأمس للجيل الشاب، كنا آنذاك القوس ومجموعة الفلسطينيين والفلسطينيات الكويرين/ات من أجل مقاطعة إسرائيل (PQBDS) ومجموعة مراقبة غسيل إسرائيل الوردي (Pinkwatching Isreal)، وكانت هناك مجموعتان صغيرتان أخريان، وكنا أعضاء في كل هذه المجموعات. ولكن تلك كانت استراتيجيتي في إعلاء أصوات عديدة لدرجة أن الناس ظنوا أن الحركة الكويرية الفلسطينية ضخمة. كنتُ أنا من يدير هذه المبادرات في أغلب الأحيان. ولكن هذه هي الطريقة التي أثرنا بها الضجة وكان لنا تأثيرًا وبنينا القوة، التي لم نكن نمتلكها في الواقع، ولكن بنيناها بهذه الطريقة. لذا من المثير للاهتمام حقًا رؤية كل هذه الأشياء تتجمّع في الأرشيف. على غرارك، أشعر بالفضول لمعرفة القصة التي سيرويها، لأن لديّ القصة التي أريد سردها الآن، لكني لا أرغب إطلاقًا في التحكم في النتيجة النهائية. يثير حشريتي.

سالي: مقاربة في غاية الاستراتيجية! هل بإمكانك تفصيل عملية الأرشفة؟ ذكرت أنك تسجّلين مقابلات مع أشخاص في الحركة وأنك تسجّلين مقابلات أيضًا مع فريق الأرشفة. من يشارك في هذه الأعمال؟ [من هو] فريق الأرشفة؟

 حنين: أصبحنا الآن شخصين ونصف. نعمل معًا [بدوام جزئي]. إنه فريق صغير جدًا. أقود المشروع، بما في ذلك كتابة التسلسل الزمني والقصة الرئيسية. ولدينا شخص مسؤول عن البيانات، وصديقتنا لين درويش تقود البحث المرتبط بالأرشيف الإقليمي والعالمي. أعتقد أن العملية التي نقودها تُتيح مساحات للأرشفة الجماعية. أجرينا تجربة أوّلية مع ثلاثة مشاريع: حفلتنا، وخطنا الساخن، ومجموعة المؤسسين/ات. لذا، كنا نجرّب طرقًا مختلفة لبناء القصة. في إحدى المرات، كتبتُ القصة الرئيسية وقدموا/ن ملاحظاتهمن في جلسة استرجاع ذكريات. وفي مرة أخرى، عقدنا دائرة استرجاع ذكريات، ثم كتبنا القصة وقدم المشاركون والمشاركات ملاحظاتهمن. ولكن مشاركة النشطاء والناشطات لا تقتصر على بناء المعلومات وهيكلة القصة ومحتواها، بل تشمل أيضًا كيفية تصويرهمن. ما السؤال الذي يرغبون/ن في الإجابة عنه؟ ما الذي سيمنحهمن شعورًا بالراحة؟ هل يشعرون/ن بالراحة في أثناء الحوار معي؟ هل يفضلون/ن ألا تُطرح عليهمن أسئلة معيّنة؟ فهذا يمنح أيضًا الناشطات والنشطاء حرّية كاملة في هذا المسار. سالي، لقد تحدثنا مطولًا عن الظهورية وعدمها لدرجة أننا اعتقدنا أنها ستُعرقل العملية برمتها، لأن من يملك الإجابة عن الظهورية وعدمها؟ لا أحد. لذلك، وبطريقة ما، غيّرنا [اتفاقنا] مع الناشطات والنشطاء وقلنا: دعونا نتخلى عن اهتمامنا بالأرشيف العام. لا أحد يُنشئ أرشيفات عامة الآن، ولن يُنشر أي شيء مما نكتبه أو نصوره، ولا أي نسخة منه، [ما يعني] أن موافقتك الآن تتعلّق بالآتي: أريدك أن تشعري بالحرية في الجلوس لمدة ساعتين، والتحدث مع رفاقك السابقين/ات في القوس عن حياتك آنها. هذا كل شيء. لاحقًا، سنحصل على موافقتك [الأخرى].

“I really believe, because we were so interconnected to the outside and that colonial kind of context and resisting it, that our story is the Palestinian story.”

أعتقد أن تجزئة [مفهوم] الموافقة واعتماد المستويات في هذه الاستراتيجية فتح آفاقًا واسعة. الآن، يرغب الناس في الظهور في الفيديو، أليس كذلك؟ بالطبع، يطرح هذا الأمر العديد من [الشواغل] الأمنية: أين تُحفظ الفيديوهات؟ من لديه حق الوصول إليها؟ ماذا سيحدث لهذه المواد في خلال السنوات الخمس القادمة؟ نحن نتعاون مع منظمة فلسطينية متخصصة في أمن وسائل التواصل الاجتماعي لإجراء تدقيق للأرشيف ووضع استراتيجية مماثلة. بعد ذلك، سنوسّع نطاقها ليشمل القوس بشكل عام، لأننا لم نكن بارعين/ات في هذه الأمور حتى الآن. أخبرني شخص أن الرعاية تعني تزويد النشطاء والناشطات بالمعلومات، لذا أمضيت الأسابيع القليلة الماضية في كتابة كل شيء، وشرح كل ما يتعلق بتسجيل الفيديو هذا، وأهمية الموافقة [عليه]. أقدّم للجميع كل المعلومات المتوفّرة لدي، وأشاركهمن الأسئلة التي لا تزال مطروحة، وأمنحهمن الخيار، [لأن] مسألة الأمن ليست موضوعًا محسومًا في هذا الأرشيف. لك الحق في عدم منحنا حقك، لكننا ملتزمات وملتزمين بإيجاد حلّ لهذا الوضع. لذا، نحن نوظّف المساءلة ليس فقط في الإجراءات، بل أيضًا في الانخراط الفعلي. كنا نظن أن العمل على الذاكرة الجماعية سهل، لكنه صعب. يتطلب الأمر جمع ١٠ أشخاص في كل مرة، وهو عدد كبير. لذلك، نعمل الآن على تنويع أدواتنا. على سبيل المثال، اختارت لين درويش العمل على مجموعة فلسطينين وفلسطينيات كويريين/ات من أجل مقاطعة إسرائيل (PQBDS) وأجرت مقابلتين مع شخصين من [أعضاء الفريق] السبعة. في ما يتعلّق بمشروع مراقبة غسيل إسرائيل الوردي (Pinkwatching Isreal)، أجرينا مقابلة مع شخص واحد. نبحث في كيفية مساهمة المقابلات الشخصية في الأرشيف، ونستمع جميعًا إلى التسجيلات. نعرض الجدول الزمني ونسأل: هذا هو الجدول الزمني. أين ترغب/ين بالمشاركة؟ اختَر أو اختاري محطة واحدة أو اثنتين. [فيجيب/تجيب]: أريد التحدث إلى الباحث/ة، أريد كتابة مادة في الأرشيف، أريد المشاركة في كتابة المادة في الأرشيف… لذلك قدّمنا ​​خمسة خيارات مختلفة على الأقل للعمل الفردي والعمل الجماعي، العمل المجهول أو المعروف، حيث يمكن للناس الاختيار [من بينها].

ونكرر دائمًا، ما من عجلة. لن ينجو أحد من هذه الحرب. هذا الأرشيف لنا. لذا، إن لم يكن الأمر مناسبًا الآن، أو إن كان العمل غامرًا، فلا بأس. نحن ملتزمات وملتزمون بالتواصل معكمن مجددًا، ويمكنكمن التواصل معنا متى شئتمن. يتصل بي الناس أحيانًا وهم يعبرون/ن عن مشاعرهمن بحزن شديد. أقول لهمن دائمًا: عبّروا/عبّرن عن كل ما تشعرون أو تشعرن به. لا بأس أن تأخذوا مساحة، أو أن تحتاجوا إلى عام أو عامين. سنواصل كتابة القصة. فالأرشيف لا يعتمد على أي شخص محدّد. اعتمدت عملية ديناميكية أحاول من خلالها إشراك أكبر عدد ممكن من الأصوات، وعلينا أن نثق بالعملية. ليس لدينا رؤية نهائية أو [هدف نهائي]. هذا ما نحن عليه. يسألوني باستمرار: ما هي النتيجة؟ النتيجة ليست مهمة. قد يكون هذا الأرشيف هو النتيجة! لستُ بحاجة حتى إلى نشره أو مشاركته مع أي شخص. يجب أن يقتصر الأمر على هذه العملية فحسب. نتعامل مع الكثير من المفاهيم الخاطئة في حياتنا التنظيمية. نحتاج إلى النشر، نحتاج إلى نتائج، نحتاج إلى ميزانية، نحتاج إلى إنفاق الميزانية. قلت لنفسي: لستُ المديرة. لا أريد إنفاق أي شيء. أريد فقط الاستمتاع بالحديث مع أصدقائي وصديقاتي عن ماضينا بطريقة ما.

سالي: بصراحة، بينما أستمع إليكِ، أجد نفسي أفكر في القاسم المشترك بين العمل الكويري والعمل الأرشيفي، ألا وهو التصدي للمحو. يكادان ينبعان من نفس المكان. ما يدفعنا للتنظيم الكويري هو نفسه ما يدفعكِ للتوثيق والأرشفة. كأن نقول: هذا ما حدث، وهذه هي الطريقة التي نريد اعتمادها لسرد الأحداث. من خلال تطبيق جميع العدسات المتعلقة بالجُماعية والموافقة والنسوية، تصبح السياسة المحرك الأساسي للأرشفة والتنظيم. وهنا نجد قوة هائلة!

حنين، يسعدني معرفة أنكمن تقومون وتقمن [بهذا العمل]. ذكرت في محادثات سابقة نقطةً لا تزال عالقةً في ذهني، ألا وهي تطبيق منظور اليوم على أحداث الماضي. ماذا تقصدين بذلك في أثناء عملية الأرشفة؟ أتذكر أنك قلت ذلك في أثناء الحديث عن سدّ الثغرات، وأنه لديك فرصة للتأمل في أحداثٍ معينة، والآن في عملية الأرشفة، ويؤثر ذلك أيضًا في القصة.

حنين: أحاول تذكر السياق بالتحديد، لكن أعتقد أن رغبتنا الأولى كانت كتابة كل شيء ونشره بأسرع وقت ممكن. أعتقد أننا صُدمنا حين أدركنا أن الأرشفة لا تتم بهذه الطريقة. [الأرشفة] ليست مشروعًا لمنظمة غير حكومية. رافقت هذه الرغبة [شعورًا] ساذجًا بأننا نريد التحدث عن كل شيء. تعلّمت هذا من الأرشيف الكويري في جنوب إفريقيا (GALA)، ولا بأس بذلك. هناك القصة العامة والتسلسل الزمني، ومن خلالهما سنكتشف الثغرات. ستسألين نفسك: أين الأشخاص العابرات والعابرون جندريًا؟ كيف لا توجد صورة عن عشرين عامًا من الحفلات؟ [أو] لنتحدث عن الإعاقة والتغييب. لنتحدث عن أدوار العابرات والعابرين في مجالات محددة من الحركة. لكن نقطة الانطلاق ليست “علينا تغطية هذا وذاك”. قلت: يا للعجب، لدينا تاريخ غني لدرجة أننا لسنا بحاجة لتغطية كل شيء. علينا فقط أن نتعامل مع هذه الأمور باحترام، وأن نرى التوقيت المناسب والفرصة الملائمة لنقول: حسنًا، الآن سنوثق تجربة العبور في القوس، وستكون تجربة قاسية. في الوقت نفسه، [إذا] لم يكن هناك عابرون وعابرات قادرون/ات على توثيق هذه التجربة، فمن سيوثقها؟ هل ننتظر؟ هذه أمثلة عن الأسئلة! علينا أن نعتني بالثغرات. إن الثغرات جزء من الأرشيف وعلينا احترامها والحفاظ عليها للمستقبل. ليس علينا تغطية كل شيء الآن. الأمر أشبه بطرح السؤال: ما هي الحركة الكويرية قبل إسرائيل، أو ما شكل الحركة الكويرية في سياق ما بعد الاستعمار؟ لذا، أنا مهتمة بمعرفة المصطلح الإنجليزي المناسب لذلك. سأستعير مثالًا من عالم اللياقة البدنية! إذا كنت تمارسين تمرينًا على مستوى معين، فأنت تعرفين ما إذا كنت تدفعين في هذا الاتجاه أو ذاك. [كل حركة] تشكّل طريقة مختلفة لتمرين جسدك. هكذا أتخيّل العمل على الأرشيف. هناك الناس والمجتمع وهناك [الطبقة] السياسية وهناك [الطبقة] الاجتماعية وهناك التقاطع وهناك الخطاب وكيف يتبلور ذلك. 

لحسن الحظ، أجد الإلهام في خضم الفوضى. الناس يرون الفوضى، أما أنا فأرى بنيةً وهيكليةً وإمكاناتٍ واعدة. أرى مستقبل الأرشيف وأستطيع أن أمسكه. أستطيع رؤيته بوضوح. هذا هو موقفي من الأرشيف ومن الثغرات. لا أركض لملء هذه الثغرات، بل احترمها، وكأننا نعترف بالفشل في لحظات محددة. لذا أتساءل: إذا فشلنا في سياسات العبور ونشاطيته، فهل من واجبنا توثيق أسباب هذا الفشل؟ هل هذا حقنا؟ هناك تساؤلات كثيرة، مثلًا، من سيتولى الإجابة عنها؟ أو إذا أردنا سرد قصة تغييب العابرات والعابرين في القوس، فهل ينبغي أن يكون لنا دورٌ محددٌ في ذلك؟ ربما علينا أن نتحدث عن أسباب حدوث ذلك من جانبنا، من دون التطرق إلى مجتمع العابرات والعابرين جندريًا. قد تُثير جميع هذه التساؤلات السياسية جنون المرء، ولكنها في الوقت نفسه مُلهمة للغاية. بطريقة ما، تجعل هذه التساؤلات الأرشيف أكثر وضوحًا وتنظيمًا. نفكّر في الثغرات، والسياسة، والالتزام بالتواصل، وإعادة التواصل. وأدرك أن لديّ وجهة نظر مُحددة قد تضيع بين وجهات نظر الآخرين والأخريات. هذا هو الحزن، أليس كذلك؟ كنت أستمع البارحة إلى قصص الناس من الخط [الساخن]، وأقول: لا، لا، لا، هذا ليس “صحيحًا”. أنتمن على خطأ تمامًا. وكأني لا أثق بأن القصة [ستُروى]، وأن شخصًا آخر سيقول: أنا لا أتفق معك. أعتقد أن هذا [مقصود]. أنا أثق أيضًا بأن الناس يتعلمون/ن أشياء مختلفة، وأن هناك ثغرات. في أثناء الأرشفة، نجد ثغرات في التاريخ. إذا انضممت في عام ٢٠٢٠، وانضممتُ أنا في عام ٢٠٠١، فبالتأكيد لدينا تجارب مختلفة. ولكن، بطريقة ما، نحترم أيضًا تلك السنوات العشرين، فهي ليست مجرّد عملية توثيق تستمرّ عامين، بل هي عملية كاملة. 

سالي: بالتأكيد. حنين، أعلم أننا تخطينا قليلًا الوقت المخصص، ولكن لدينا سؤال أخير. في زمن الإبادة الثقافية وتدمير الكثير من التراث، كيف ترين علاقة الأرشيف الكويري بالأرشيف الفلسطيني؟

حنين: أعتقد أن الأمر بسيط للغاية بالنسبة إلينا. لطالما قلتُ في القوس، عندما أطلقنا حملة فلسطينيين وفلسطينيات كويريين/ات من أجل مقاطعة إسرائيل (PQBDS)، وحملة مكافحة الغسيل الوردي، إن لا أحد يلاحظ وجودنا، لذا فلنتحدث عن فلسطين. عندما سافرتُ حول العالم لجمع التمويل، كانت فكرتي أن استخدم القوس والحركة الكويرية للتحدث عن فلسطين. من المضحك حقًا كيف سمعنا فورًا تعليقات مثل: يا إلهي! قصة الخط الساخن هي قصة القوس. [كلا]، قصة القوس هي قصة فلسطين، لأني أعتقد أن هويتنا متأصلة في هذه البنية المناهضة للاستعمار. لقد تأثرنا بها. بدأت قصة تأسيسنا في خلال الانتفاضة الثانية. أجدادنا وإرثنا هم شعبنا الذي شارك في الانتفاضة الأولى، والذي تعلّم في خلالها التنظيم المجتمعي والمعونة المتبادلة وكل ذلك. ثم نرى، ونسمع قصص الخط، وكيف تفاعل [الناس] كمنظومة مع الأحداث السياسية في السنوات العشر الماضية، وماذا تعلموا منها وكيف غيروا البنية. أعتقد حقًا أن قصتنا هي القصة الفلسطينية، لأننا كنا مرتبطين ارتباطًا وثيقًا بالعالم الخارجي وبهذا السياق الاستعماري وبمقاومته.

لذا نعتقد أن القصة الكويرية ستُقدّم منظورًا آخر لمشروع التحرّر وكيفية التعامل معه. فالأمر لا يقتصر على الجانب الكويري فقط. لقد أدهشني وضوح هذا الأمر لدى كل من ينضم إلى المشروع. أعتقد أن هذا هو إرث القوس. لقد ثبّتنا أن التنظيم الكويري جزء من النضال التحرّري. أعتقد أن الأمور ستتعقد، يا سالي، عندما نتحدث عن مجتمعنا. ستبرز التوتّرات أكثر من الروابط. فجزء من المسألة سياسي أيضًا، لأن نهجنا السياسي أربك الكثير في المجتمع الفلسطيني. سيقول البعض إننا عملاء للصهاينة، أو سيقول آخرون وأخريات: إنكمن تستخدمون [سياسات] المناهضة للاستعمار، لذا يمكنني أن أحبكمن، ولكني سأحبكمن بدونها أيضًا. هؤلاء هم الحقراء! لكن الأمر مُربك للغاية. لماذا تريدون وتردن القيام بذلك؟ الأمر أشبه بسؤال: لماذا تريدون ذلك؟ كونوا/كن مجرّد مجموعة كويرية. لقد أزعجت توجّهاتنا السياسية الجميع. أزعجت الصهاينة، وأزعجت المجتمع المدني في فلسطين، وكان ذلك مشكلة كبيرة. أعتقد أن الأمر سيكون معقدًا. ولكن أعتقد أيضًا أننا ملتزمون/ات بالتوضيح، فقد كانت لدينا مسؤولية، وكرهَنا الناس بسبب ذلك. عندما يقع حدث كبير، يصبح التثقيف والتحليل السياسي ضروريان. إذا طُعن شاب مثلي على يد أخيه، فسنقدم تحليلًا لا يُشير إلى رهاب المثلية أو العنف الأسري، بل يضع هذا النوع من الحوادث في سياق أوسع، ما أزعج العديد من الناس، لأنهم يقولون ببساطة: لقد طُعن، ونحن نحبه، وليذهب أهله إلى الجحيم. هذا ما كان يرغب فيه الناس، وكنا نقدم دائمًا أكثر من ذلك، وكان عدد الأشخاص الذين واللواتي انزعجوا/ن من هذا الأمر هائلًا.

أعتقد أني أحاول أن أقول إننا نتعلّم أيضًا كيف تتصرف المجتمعات المُستعمَرة حيال قضايا مسببة للخلاف. فهي متأثرة بالاستعمار، وحين نعتمد هذا النهج في مجتمعاتنا، ونقول إن ما ترونه في وسائل التواصل الاجتماعي، أي خطاب “اقتلوا هذه المجموعة أو اقتلوا تلك المجموعة”، هو تفكير ثنائي يخلقه القمع بين الشعوب المُستعمَرة. هذا تفكير ثنائي، أو انعدام الخيال. هكذا يتشكّل العنف ويُمارس، إنه استعماري للغاية، حتى لو كان من يمارسه ابن عمي. لذلك نمضي الكثير من الوقت هناك، نحاول أن نشرح لأنفسنا ولمجتمعنا ما يحدث حولنا. هل ستعتقلنا السلطة الفلسطينية؟ أجل، بالطبع، سنتصل [إذًا] بمنظمة حقوقية. سنأخذ كل هذه الخطوات. ولا بأس بذلك. ولكن ما الذي يحدث حقًا؟ ولماذا؟ وكيف نربط ذلك بمصر، وكيف نربطه بلبنان، وكيف نربطه بمناهضة الحقوق حول العالم؟ أخذنا على عاتقنا هذا الدور، ألا وهو تعقيد الحقائق باستمرار، وتقديم تحليل متعدّد الجوانب من دون القول: لا وجود لرهاب المثلية، وهذا هو السبب المباشر وراء طعن هذا الأخ لأخيه، ومن المرهق حقاً القيام بذلك، أليس كذلك؟

سالي: شكرًا جزيلًا، حنين. حقًا، جزيل الشكر لك.

حنين: العفو.

إزرينا: محادثة مؤثّرة.


 

حنين معيكي 

حنين ناشطة فلسطينية كويرية مناهضة للاستعمار. شاركت في تأسيس منظمة القوس الفلسطينية الوطنية لمجتمع الميم-عين بين عامي ٢٠٠١ و٢٠٢٠، وشغلت منصب مديرتها، حيث عملت في مختلف أنحاء فلسطين المحتلة، بما في ذلك الضفة الغربية والقدس الشرقية ومناطق الـ ٤٨. كما شكّلت حنين شخصية محورية في الجهود العالمية لمكافحة الغسيل الوردي من خلال مجموعات مثل “فلسطينيون وفلسطينيات كويرون/ات من أجل مقاطعة إسرائيل” و”مراقبة غسيل إسرائيل الوردي”. تستكشف كتاباتها التنظيم الكويري في فلسطين المحتلة، متحديةً هيمنة الأطر الكويرية الغربية. تقود منذ عام ٢٠٢٢ أرشيف الحركة الفلسطينية الكويرية، وهو مبادرة مجتمعية تُعنى بحفظ تاريخ النضال الفلسطيني الكويري ضد الأبوية والاستعمار والرأسمالية.

 


Share the Post: